يكتب ريد بلاكمور وأليكسيس هارمون هذا التحليل في لحظة تتصاعد فيها شهية القوى الكبرى للمعادن الحرجة، ويضعان جرينلاند في قلب معادلة جيوسياسية معقدة تجمع بين الثروة الكامنة تحت الجليد، والواقع السياسي والاجتماعي القاسي فوقه. يوضح الكاتبان أن الجزيرة، رغم مساحتها الشاسعة، تضم عددًا ضئيلًا من السكان واقتصادًا يعتمد تقليديًا على الصيد والدعم الدنماركي، لكنها تخفي في باطنها موارد جعلتها محل اهتمام دولي متزايد، خاصة من الولايات المتحدة.
تشير أتلانتيك كآونسل في هذا السياق إلى أن الخطاب الأمريكي الحاد حول جرينلاند، بما في ذلك تلميحات السيطرة أو الضم، أثار قلق الحلفاء الأوروبيين ورفضًا قاطعًا من سكان الجزيرة. ومع ذلك، يرى التحليل أن واشنطن تملك فرصًا حقيقية لبناء شراكات تجارية ودبلوماسية مثمرة، شرط أن تختار التعاون طويل الأمد بدل المقاربة الأحادية الصدامية.
ثروة معدنية كبيرة تحت الجليد
تطرح جرينلاند مفارقة جغرافية لافتة؛ إذ تغطي المناطق الخالية من الجليد أقل من خُمس مساحتها، بينما يبقى الداخل الشاسع مدفونًا تحت طبقات جليدية سميكة. رغم ذلك، تكشف الدراسات عن احتياطيات مهمة من المعادن التقليدية والحرجة. استخرج النحاس والرصاص والزنك على نطاق محدود منذ القرن الثامن عشر، لكن الاهتمام الحالي يتركز على معادن ترتبط مباشرة بتكنولوجيا الطاقة والدفاع.
تحتل العناصر الأرضية النادرة موقعًا محوريًا، حيث تشير التقديرات إلى وجود نحو 36 مليون طن، مع اعتبار جزء محدود فقط احتياطيًا مؤكدًا اقتصاديًا. تضع هذه الأرقام جرينلاند بين أكبر الدول المالكة لاحتياطيات غير مطورة، مع احتمال أن تصبح ثاني أكبر مصدر عالمي بعد الصين في حال توسعت أعمال الاستكشاف. تمتلك الجزيرة أيضًا أحد أكبر رواسب اليورانيوم في العالم، وغالبًا ما يتجاور مع رواسب العناصر الأرضية النادرة، إلى جانب معادن استراتيجية أخرى مثل النحاس، الغرافيت، الغاليوم، التنغستن، الحديد، الذهب، والفضة.
ورغم هذه الإمكانات، يقتصر النشاط التعديني الحالي على منجمين فقط، ولا تدخل أي مشاريع كبرى للعناصر الأرضية النادرة أو اليورانيوم مرحلة الإنتاج التجاري، ما يجعل الثروة أقرب إلى وعد طويل الأجل منها إلى واقع اقتصادي فوري.
عوائق البنية التحتية والمجتمع
يصطدم تطوير هذه الموارد بعقبات ثقيلة. تفتقر جرينلاند إلى البنية التحتية الأساسية، إذ لا تتجاوز شبكة الطرق في كامل الجزيرة عشرات الأميال، ويعتمد النقل على السفن والطائرات، ما يرفع التكاليف ويطيل زمن المشاريع. تفرض الظروف المناخية القاسية تحديات إضافية، حيث يصعب بناء طرق دائمة، وتصبح كلفة نقل المعادن أحيانًا أعلى من كلفة استخراجها نفسها.
تظهر المعارضة الاجتماعية والسياسية كعامل حاسم آخر. تنظر المجتمعات المحلية بحذر إلى التعدين واسع النطاق، خاصة أن الأراضي مملوكة للدولة، وأن الأنشطة المغلقة تثير مخاوف بيئية وثقافية. يعكس حظر استخراج اليورانيوم الذي أقره برلمان جرينلاند عام 2021 هذا التوجس، ويقيد تلقائيًا مشاريع العناصر الأرضية النادرة المرتبطة به.
تضيف الجغرافيا السياسية طبقة جديدة من التعقيد. أثار الخطاب الأمريكي حول جرينلاند حساسية سيادية متزايدة، في وقت يتقاطع فيه التنافس الأمريكي الصيني داخل قطاع التعدين. يلفت التحليل إلى حالات تدخل دبلوماسي أمريكي لإبعاد استثمارات صينية، ما يعمق التوتر ويجعل أي تقدم اقتصادي رهينًا بالتوازنات الدولية.
شراكات هادئة بدل مقاربات أحادية
يرى الكاتبان أن القيمة الاستراتيجية لجرينلاند تكمن في كونها شريك تنويع طويل الأمد في سوق عالمي شديد التركّز، لا كمصدر سريع للإنتاج. يحذر التحليل من أن النهج الأحادي قد يقوض فرص النجاح، بينما يفتح التعاون مع الدنمارك والحلفاء الأوروبيين مسارات أكثر فاعلية.
يمكن للولايات المتحدة دعم مشاريع التعدين عبر الاستثمار والتمويل والمساعدة التقنية، مستفيدة من مؤسساتها التنموية، وبالتنسيق مع الشركاء الأوروبيين لسد فجوات البنية التحتية وتقليل المخاطر أمام المستثمرين. يبرز التحليل أهمية تقديم بدائل جاذبة للاستثمار الصيني، لا عبر الضغط السياسي فقط، بل من خلال تمويل تنافسي، وخبرات تقنية، وشراكات شفافة.
يشدد الكاتبان أيضًا على أن أي مشروع يفتقر إلى القبول المحلي يفتقد مقومات الاستدامة. يفرض احترام البيئة وحقوق السكان الأصليين وتقاسم المنافع نفسه كشرط أخلاقي وتجاري في آن واحد. يخلص التحليل إلى أن صبر الدبلوماسية وبناء الشراكات، لا اللهاث وراء العناوين السريعة، يقدمان الطريق الأكثر واقعية لضمان أمن المعادن من دون تقويض التحالفات والنظام الدولي الذي تستند إليه.
https://www.atlanticcouncil.org/dispatches/greenlands-critical-minerals-require-patient-statecraft/

